ابن كثير
127
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً - إلى قوله - وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال : خلق اللّه الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة ، فكفر قوم من الجن فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ببغيهم فكانت الدماء بينهم ، وكان الفساد في الأرض ، فمن ثم قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن ويسفك الدماء كما سفكوا . قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مبارك بن فضالة حدثنا الحسن قال : قال اللّه للملائكة ( إني جاعل في الأرض خليفة ) ، قال لهم : إني فاعل ، فآمنوا بربهم فعلمهم علما وطوى علما علمه ولم يعلموه ، فقالوا بالعلم الذي علمهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون . قال الحسن : إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء ، ولكن جعل اللّه في قلوبهم أن ذلك سيكون ، فقالوا بالقول الذي علمهم . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها كان اللّه أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك حين قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام الرازي حدثنا ابن المبارك عن معروف يعني ابن خربوذ المكي عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول : السجل ملك « 1 » ، وكان هاروت وماروت من أعوانه ، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب ، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور فأسر ذلك إلى هاروت وماروت وكانا في أعوانه فلما قال تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ . قالا ذلك استطالة على الملائكة . وهذا أثر غريب وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر فهو نقله عن أهل الكتاب ، وفيه نكارة توجب رده ، واللّه أعلم ، ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط ، وهو خلاف السياق . وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضا حيث قال : حدثنا أبي حدثنا هشام بن أبي عبيد اللّه حدثنا عبد اللّه بن يحيى بن أبي كثير قال : سمعت أبي يقول : إن الملائكة الذين قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ كانوا عشرة آلاف فخرجت نار من عند اللّه فأحرقتهم ، وهذا أيضا إسرائيلي منكر كالذي قبله ، واللّه أعلم . قال ابن جريج : وإنما تكلموا بما أعلمهم اللّه أنه كائن من خلق آدم فقالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . وقال ابن جرير « 2 » : وقال بعضهم إنما قالت الملائكة ما قالت ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) لأن اللّه أذن لهم في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم ، فسألته الملائكة فقالت على التعجب منها : وكيف
--> ( 1 ) هو المذكور في سورة الأنبياء ، الآية 104 يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ . قال الزمخشري في الكشاف 1 / 108 : وقيل : السجل ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 245 .